الثعالبي
97
لباب الآداب
في ضِدّ ذلك إذا نام هالَه طيفٌ ، وإذا انتبَهَ راعه سَيفٌ ، طار قلبُه بجناحِ الوجَل ، وتصوَّر له شخصُ الأَجَل ، لا سماءٌ تُظلُهُ ، ولا أرض تُقِلُهُ ، لا يجد في الخضراءِ مَصعداً ، ولا في الغبراءِ مَقعداً ، لا يجد في الأرضِ نفقاً ، ولا في السماء مُرْتَقًى ، كادت نفسُه تطيح ، وروحُه تسري بها الريح . الأسْر والحبسُ فلان في جوامع الأسْر مُوثَق ، وبمضائق الجيش مُرهَق ، هو في قعر حَبْسٍ يحجب عنه ضياء الشمس ، هو أسير حَبْس ، قد غُلق رِتاجهُ وسَمير قَيدٍ قد صَعُب علاجُهُ ، أحاطت به رِبقة الأسرِ ، وملكته ذِلة القهر . ذِكْرُ الإطلاقِ الحمد للَهِ حَمدَ الإخلاصِ ، على صدق الخلاص ، قد أفضى فلان من ذِلّةِ رِقٍّ إلى عِزّة عِتق ، ومن تَصلية الجحيم ، إلى جَنة النعيم ، خرج من العقال ، خروجَ السيفِ من الصِّقال ، خرج من إساره ، خروجَ البدر من سرارهِ ، الحمد للَه الذي فكَّ أسراً ، وجعل من بَعْد عُسرٍ يُسراً . وَصفُ الغِنى والثروة فلانٌ قد فاز برغائبِ النعم ، وغرائبِ القَسَم ، خاض بحرَ الغنى ، وركض في ميدانِ المنى ، وردت له إخلاص الدنيا ، وهطلته سحائبُ الغنى ، اتّسعت مواردُ مالِه ، وتقرَّعَت شُعب حالهِ ، رأت عيناهُ ، ما لم تبلغهُ مناهُ ، واتّسعَتْ نعمته ، بحيث لم تنله همّته ، عنده من العين ما تقر به العين .